محمد عبد الله دراز
166
دستور الأخلاق في القرآن
يريد ، دون أن يقصد إلى أية غاية . ومن عباراتهم في ذلك : « إنّ اللّه لا يفعل شيئا لأجل شيء ، ولا بشيء ، وإنّما اقترن هذا بهذا لإرادته لكليهما ، وهو يفعل أحدهما مع صاحبه ، لا به ، ولا لأجله ، لأنّه خالق كلّ شيء ومليكه » « 1 » . ونقول نحن : ليكن هذا ، ولكن أليس الأشاعرة مضطرين - على الرّغم من هذه الإرادية الّتي لا تتقيد بغاية ، وليس لها ما يقابلها أو يوازيها - إلى أن يعترفوا بأنّ مجال الإرادة والوجود أكثر تقييدا من مجال الإمكان ، والقدرة المطلقة ؟ . لا شيء حينئذ سوف يحول دون أن يتفق ما يبدعه اللّه ، أو ما يأمر به ، مع مقتضيات العدالة ، والخير ، ولو أنّه لن يكون محدودا بهما « 2 » . أمّا فيما يتعلق بهذه الحالة الّتي تشغلنا فلسوف يرضينا لو استطاعوا أن يؤكدوا لنا أنّ اللّه سبحانه لا يكلف النّاس إلّا وسع قدراتهم ، وهو تكليف ، إن لم يكن بالشرع ، فليكن على الأقل بالواقع ، وتبعا لعرف دائم لا يقبل التّغير . لقد فهم أكثر الأشاعرة تعقلا هذا المعنى « 3 » ، ولكن الآخرين استهواهم المضي في المراء ، فجذبهم إلى بعيد . لقد أجهدوا أنفسهم ليجدوا وسيلة بارعة لإثبات فكرة التّكليف بالمحال في ذاته ، لا من حيث هو حقّ القدرة الإلهية فحسب ، ولكن باعتباره واقعا قد حدث فعلا . ثمّ نجدهم يدعون في جرأة نموذجية أنّ لديهم على ذلك أمثلة مادية في القرآن نفسه ، وإليك لقطتهم الثّمينة .
--> ( 1 ) انظر ، منهاج السّنة النّبويّة : 1 / 127 ، سير أعلام النبلاء : 14 / 184 . ( 2 ) انظر ، رسائل السّيّد المرتضى : 2 / 307 ، أوائل المقالات للشيخ المفيد : 303 ، الاعتقادات للشيخ المفيد : 29 ، الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي : 1 / 195 و 257 ، تفسير الميزان للسيد الطّباطبائي : 12 / 189 . ( 3 ) المراجع السّابقة .